محمد بن محمد ابو شهبة
453
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
وما علمناه ، وصدقوا ، فإنهم لم يعلموه ، وأما المسلمون فصار بعضهم ينظر إلى بعض ولا يتكلم ، ثم قام المشركون وفيهم الحارث بن هشام المخزومي وفي رجليه نعلان جديدان ، فقال كعب : يا أبا جابر ، أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش ؟ فخلعهما الحارث من رجليه ، ثم رمى بهما إلى كعب ، وأقسم عليه لينتعلنّهما ، فقال أبو جابر : مه ، أحفظت واللّه - الفتى ، فاردد إليه نعليه ، فقال : واللّه لا أردهما ، فأل - واللّه - صالح ، لئن صدق الفأل لأسلبنّه . ثم ذهب المشركون إلى عبد اللّه بن أبي ، فقالوا له مثل ما قالوا للخزرج ، فقال لهم : واللّه إن هذا الأمر جسيم ، ما كان قومي ليتفوّتوا علي بمثل هذا وما علمته كان ، فانصرفوا عنه . تأكد قريش من صدق الخبر وطلبهم الأنصار ثم نفر الناس من منى ، وتنطّس « 1 » المشركون من أهل مكة الخبر فوجدوه صادقا ، فخرجوا في طلب الأنصار ولكنهم كانوا قد فاتوهم ، ولم يدركوا إلا سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو ، وكلاهما كان نقيبا ، فأما المنذر فأعجز القوم ، وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله « 2 » ، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه ويجذبونه بجمته « 3 » ، وكان ذا شعر غزير ، وقد بقي في أيديهم يلكمه اللاكم ، ويضربه الضارب ، حتى هتف باسم رجلين من أشراف قريش كان يجير لهما تجارتهما إذا مرّت بالمدينة ، ويمنعهم من ظلمهم ، فجاا إليه فخلّصاه من أيديهم ، فانطلق وقد سلمت له نفسه راجعا إلى المدينة . إسلام عمرو بن الجموح لما رجع الأنصار الذين بايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة العقبة الثانية إلى المدينة
--> ( 1 ) تنطس الخبر : أكثر من البحث عنه ، والتنطّس : تدقيق النظر ، ومنه الطبيب النطاسي أي البارع بعيد النظر . ( 2 ) النسع : الشراك الذي يشد به الرحل . ( 3 ) الجمة : ما يصل من الشعر إلى المنكبين ، والمراد أنهم يشدونه من شعره .